يوم الجنائز/ د. أسامة التركي
🕊️ يوم الجنائز
وقفات وعِبَر من وفاة عمي الحبيب عبدالرحمن أبو إبراهيم رحمه الله
✍🏻 بقلم: أسامة بن إبراهيم بن إبراهيم التركي
بسم الله الرحمن الرحيم
رحل في سكونِ الليل والثلث الأخير منه، ساعةِ نزولِ الرحمة واستجابةِ الدعاء،
في بيته وبين أبنائه كما تمنّى، بلا ألمٍ ولا ضجيج، ولا مشقّةٍ على أحدٍ من حوله؛
كأنّه ودَّع الدنيا كما عاشها… هادئًا، راضيًا، نقيَّ السريرة، طيّبَ الذكر، ناصعَ الصفحة.
وفي الغد كان المشهد مهيبًا يفيضُ وقارًا وسكينةً؛
ازدحمت الجموع قبل الأذان في المسجد، وامتدت صفوف المعزين حتى الإقامة،
أكثرُ من الألف مصلٍّ تقريباً جاؤوا من أكثر من مدينةٍ وناحيةٍ وبلدٍ،
غير آلاف الرسائل والاتصالات من شتى المناطق والبلدان.
يحملهم الحبُّ والوفاء، لا تحرّكهم المظاهرُ ولا المناصب،
بل الذكرُ الحسن، والقلوبُ التي مسّها يومًا بدعوةٍ صادقة، أو جميلٍ باقٍ، أو ابتسامةٍ صادقة، أو تعامل حسن.
فقلتُ في نفسي: ما الذي جمعهم؟
أهي شهاداته؟ أم مناصبه؟ أم أمواله؟
كلُّ ذلك لم يكن، ولكنّ الله جمعهم له بفضله ورحمته لصفاء قلبه، ونقاء سريرته، وطهارة باطنه، ورحمته وشفقته، ودعائه للناس في السرّ والعلن والله أعلم .
وهنا تتجلّى الحقيقة الخالدة التي قالها السلف:
«بيننا وبينهم يومُ الجنائز.»
يومٌ تُرفع فيه الأستار، وتنكشف السرائر،
يظهر فيه الصادقُ من غيره، والمقبولُ من المردود،
ويُعرف من الذي حمل الخير في قلبه لا في غيره، وجعل همَّه لله لا للدنيا وزخارفها أحسبه كذلك ولا أزكيه على الله.
🌿 دروسٌ ووقفاتٌ خالدة:
• أن حسن الخاتمة لا تُنال صدفة، بل هي ثمرةُ عمرٍ طاهرٍ، ونيةٍ صادقة، وعلاقةٍ خفيةٍ بين العبد وربّه.
• أن المعيار الحقيقي للمحبة ليس كثرة المال ولا علوّ الشأن، بل صفاء القلب وحسن الخلق.
• أن الموت مرآةُ الحياة، فمن عاش للناس في خيرٍ، شيّعه الناس بخيرٍ ودعاءٍ.
• أن الدنيا فانية، والسباق الحقيقيّ هو نحو الباقية.
• أن صلةَ الأرحام وبرَّ الوالدين لا تُؤجَّل، فالموت لا يستأذن أحدًا، ولا يُمهل محبًّا.
• أن البساطة رفعة، ومن تواضع لله رفعه الله في الدنيا والآخرة.
• أن العملَ الخفيَّ والدعاءَ الصادق، يتركان أثرًا لا تمحوه الأيام ولا تنساه القلوب.
رحل العمُّ الحبيب الغالي، وبقيت سيرتُه العطرة تتحدّث عنه بفضل الله، تعالى
وبقي أثرُه الطيّب يذكّرنا أن العبرة ليست بطول العمر، بل بحُسن الأثر.
رحل كما يعيش الأنقياء… في صمتٍ وسكينة،
وترك من بعده شهادةَ القلوب أنّ القبول لا يُشترى، وأنّ القلوبَ لا تُفتح إلّا لمن أخلص لله، احسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدا.
فاللهم اجعل وفاته عبرةً لنا،
وأصلح قلوبنا وشأننا كله،
واجعلنا ممن طال عمره، وصلح عمله وسريرته، وحسن ختام،
وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وأغفر لنا ولوالدينا ومن له حق علينا ولجميع المسلمين وارزقنا برهم أحياء وأمواتا.
وكفى بالموت واعظاً. 🤍

تعليقات
إرسال تعليق