المشهد الأخير للفقيد/ بقلم أبو سلمان إبراهيم بن عبد الرحمن التركي

المشهد الأخير للفقيد..

وتركنا عليه في الآخِرِين، سلام



الحمد لله الحي القيوم 

والصلاة والسلام على خير الأنام.

أما بعد:

فقبل نحو ٣٥ سنة سُئل الوالد العزيز عبد الرحمن رحمه الله: كم تتوقع أن يكون عمرك؟ فقال : ٨٠ سنة. 

فبلّغه الله إياها، وزاده عليها سنة بمنّه وفضله علينا. 

وكان في أيامه الأخيرة كأن لسان حاله يقول كما قال زهير بن أبي سلمى : 

‏سئمتُ تكاليف الحياة ومن يعش *** ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم.

بل قالها بمقاله حين دعا في وعكته الأخيرة القصيرة  بدعاء: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي"

وإذا كان من الصعوبة بمكان اختصار مشاهد ٨١ عاماً من عمر الوالد رحمه الله في كتاب فمن المستحيل اختزالها في مقال.

ولذا سأقتصر  في هذا المقال على المشهد الأخير  من تلك الحياة الحافلة المديدة على مدى ٢٨ ألف يوم، مع ومضات مما سمعته ورأيته من ذكره الحسن.


 كانت مدة مرض الوالد رحمه الله قبل الوفاة أسبوعين عانى فيها من صعوبة في التنفس، والتهاب في الرئة، ثم وجود ماء على الرئة وكان لهذه المشكلة آثار وتداعيات أبرزها صعوبة النوم غالباً إلا غفوات، وصعوبة في التنفس، وقبل ٣ أيام من وفاته تحسنت حالته ونام نوماً جيداً، فخرج من المستشفى كما كان يتمنى ويطلب، ورجع إلى بيته يوم الخميس الماضي ١٥/ ٥/ ١٤٤٧

وكان يعاني من صعوبة شديدة في الكلام والقيام والحركة، وعدم الرغبة في الأكل، 

وفي عشاء ليلة الجمعة عانى من ألم في البطن لعدة ساعات، ولذا نرجو له الشهادة بإذن الله لقوله صلى الله عليه وسلم: "المبطون شهيد" رواه مسلم.

‏فنحتسبه بمشيئة الله ورحمته شهيداً ابن شهيدٍ ابن شهيد، فوالده رحمه الله غرق في السيل، وجدّه انهدم عليه بئر كان يحفره وقفاً لله، والغريق شهيد وصاحب الهدم شهيد، كما قال رسول الله ﷺ:

«الشهداءُ خمسةٌ: المطعونُ، والمبطونُ، والغريقُ، وصاحبُ الهدمِ، والشهيدُ في سبيلِ الله" رواه البخاري.

ثم هدأ ألمه قبل منتصف الليل، ونام نومة حسنة حتى فجر الجمعة.

وبعد صلاة الجمعة ١٦/ ٥ وصل عمي إبراهيم من المدينة للسلام عليه والعودة للمدينة مباشرة، لكن الوالد رحمه الله أصر عليه وأكد علينا ألا يغادر إلا بعد تناول طعام الغداء، فتحقق مراده وتغدى عنده وأمام ناظريه، فكان لقاء الوداع بين الشقيقين اليتيمين.

وقد حدث موقف انتزع من الوالد ابتسامته الوحيدة ذلك النهار، حين دخل حفيده يسلم عليه، ففرح الوالد بحفيده الصغير وابتسم له، فانتهزت الموقف وقلت لعمي: هذا يسميه أبوي الإمام فلان فجهزوا له كرسي للتدريس في المسجد النبوي، فرفع الوالد رحمه الله يديه يدعو  للحفيد مبتسماً، ورفع عمي يديه يؤمّن، فكان مشهداً رائعاً من لقاء الوداع قبل 12 ساعة من وفاته رحمه الله.


وكان الملاحظ عليه رحمه الله في نهار الجمعة وليلة السبت تكرر رفعه لسبابته ونظره إلى الأعلى وكأنه يتشهد، وكذلك كثرة رفعه ليديه يدعو في أيامه الأخيرة حين صعب عليه النطق والكلام.

 وعانى مساء الجمعة ١٦ / ٥ وليلة السبت من بعض الآلام وصعوبة النوم وبعد منتصف الليل وفي الساعة الأولى من ثلث الليل الآخر حانت ساعة الوفاة وانقضى وتم الأجل، فجلس ورفع يديه يدعو لثوانٍ انتهزها من ثلث الليل الآخر في دقائق حياته الباقية وليلة عمره الأخيرة رحمه الله.

ثم انحنى رأسه على صدره فجأة، وسُلت روحه من جسده بهدوء ونشاط، كما قال ﷺ عن روح المؤمن: "فتخرُجُ تَسيلُ كما تَسيلُ القطرةُ مِن فِيِّ السِّقاءِ" يعني في يسر وبلطف.

فكانت ليلة ختام ٢٨ ألف ليلة قضاها في هذه الحياة، وأحسن الله له فيها الختام، برفع يديه بالدعاء حين عجز  اللسان عن النطق في أيامه الأخيرة.


ومن حسن الخاتمة أن الله قد حقق له جملة من الأمنيات والدعوات، ومنها:

 أن تكون وفاته في بيته، فكانت عودته من المستشفى إلى بيته قبل يوم من الوفاة.

 

وثانيها: أن الله سلمه من المعاناة التي كان يراها على بعض كبار السن منذ عشرات السنين في المستشفيات، ودعا الله ورجاه أن لا تحدث له، ولم يفقد وعيه أو معرفته حتى دقيقته الأخيرة، وما كان بقاءُه في المستشفى إلا أسبوعين تخللهما خروجه مرتين للبيت. 


وثالثها: تمتعه بصحته إلى ما قبل الوفاة بأسبوعين حيث كان يذهب للمزرعة كل يوم مرتين في الصباح والمساء.

‏وكانت آخر مناسبة أقامها قبيل دخوله للمستشفى بأيام، لأحد أحفاده.

 وقد متعه الله بصحته وعوضه عن يتمه (حيث فقد والده وعمره خمس سنين، وكان آخر مشهد له مع والده إبراهيم رحمهما الله وهو يلاعبه بجرادة على يده، ثم فقد والدته الجوهرة رحمها الله وعمره ١١ سنة، وكان مقيماً في دار الأيتام، فلما أبلغ بوفاتها أنكر ذلك وقال: أمي ماتروح وتخليني، فذاق مرارة اليتم في طفولته بأبيه، وفي صباه بأمه) 

لكنه عاش حياته الحافلة بصحة وحياة اجتماعية مستقرة على مايرغب ويريد رغم صعوبة العيش في بعض فتراتها.

وقد توالت بعد ذلك بشائر حسن الختام.

 

فكانت الثانية نضارة وجهه ونوره وبياضه عند تغسيله، وبعده عند نقله لبيته لتصلي عليه النساء. وفي الأثر عن ابن عمر:«كانوا يُصلّون على الجنائز في البيوت"

 

ثم كانت البشارة الثالثة: تلك الحشود التي صلت عليه ودعت له.


 فتجاوزت صفوف المصلين عليه في الجامع الكبير  بالمجمعة ٨ صفوف من الرجال و٤  صفوف من النساء بأكثر من ١٠٠٠ مصلٍ ، فعُدّت من أكبر الجنائز التي شهدها الجامع الكبير في المجمعة.

وقد قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، فَيَشْفَعُونَ لَهُ، إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ.» رواه مسلم

وفي رواية : «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ.» رواه مسلم

وقال النبي ﷺ: «ما من ميتٍ يُصلَّي عليه ثلاثةُ صفوفٍ من المسلمين إلا أوجب» رواهالترمذيأي أوجبت له الرحمة والمغفرة أو أوجب الله له الشفاعة.

 

أما البشارة الرابعة فكانت ٧ رؤى حسنة:

منها عدة رؤى بفرح وترقب أمه من الرضاع وأخته لقدومه.

وأخرى وهو مبتسم واقفاً بدون عصا وعليه ثوب شتوي ومعطف.

وكذلك وهو جالس على سريرة صالباً ظهره متكئاً على جنبه مرتاح البال يأكل بعض الخضروات.

والرؤيا الأخيرة رآها طفل في المرحلة الابتدائية أنه ذهب للعمرة فقال له العاملون في الفندق أن أحد الأدوار العلوية للرؤساء فصعد إليه ووجد فيه الجد إبراهيم رحمه الله والوالد عبد الرحمن رحمه الله ..

فكانت بشائر متتابعة من الله (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ) بمشيئة الله وفضله ورحمته.


وأما البشارة الخامسة فكانت كثرة المعزين فيه والداعين له، وقد حضر كثير منهم من الرياض ومناطق بعيدة، وحضر أناس لا يعرفهم منا أحد، لكن الله يعرفهم فدعوا له وذكروه بخير، فجزاهم الله خير الجزاء وذكرهم بالخير والذكر الحسن في الدنيا والآخرة، وسمعنا منهم الكثير من الملاحظات الجميلة التي لحظوها في سيرة الوالد رحمه الله، والذكر الطيب له.

وكان مما ذكَروه من مآثره الحسنة فذكّرونا بنماذجه ونظائره مايلي  من ٢٠ زاوية في ٢٠ فقرة:


١- زهده: فقد كان من الزهاد في الدنيا. 

 وكانت له مواقف مشهودة تشهد بزهده منها تنازله عن استحقاقه نظير جهده في إحياء مزرعة وقفيه.

وكانت كلمته التي نسمعها منذ عشرات السنين حين الحديث عن تجارة أو مشروع تجاري: دنيا ما نبي دنيا، وأنتم تجارتي.


٢-نصيحته: ونصحه لكل من لقيه، وهذا ما بايع عليه جرير البجلي نبينا صلى الله عليه وسلم ".. والنصح لكل مسلم"

وكان هذا حاله مع الصغار والكبار والقريب والبعيد وهذا مشهد منها:


٣-الصلاة: وحرصه الشديد عليها، وتذكيره للناس كثيراً في مسجده وفي الجامع بالصلاة، ومعاتبتهم على النوم عن صلاة الفجر، ونلاحظ حرصه حتى شهره الأخير على متابعة صلاة الصغار في المسجد وسؤاله عنهم، وفي مرضه الأخير كان كثير السؤال عن دخول وقت الصلاة، وأحياناً لا يصدق تأكيدنا عدم دخول الوقت، فيطلب التيمم ليصلي، وهكذا حاله في الصلاة في أيامه الأخيرة رغم صعوبتها عليه، وغفواته أثناء أدائها.


٤-الأذكار: كان تأكيده عليها وملازمته لها ظاهراً، وتأكيده الدائم علينا بحث أولادنا عليها.


٥- تلاوة القرآن: كان كثير التلاوة وكنت أتعجب من كثرة تلاوته في رمضان بالساعات المتواصلة أكثر من ساعة بعد الظهر وثلاث ساعات بعد العصر، وكان من المشاهد تلاوته وبجواره ثلاثة من جيرانه يستمعون تلاوته رحمهم الله، وجمعهم في فردوسه، فقد كانوا والله نعم الجيران، ولم يترك التلاوة حتى في مرضه الشديد، ففي ليلة من ليالي المستشفى بعد منتصف الليل استيقظ فطلب التيمم وفتح جواله على تطبيق القرآن ليقرأ منه.


٦-الصلة: بعدما قُرر له الخروج من مستشفى الحرس قبل يومين من وفاته طلب ترتيب زيارة لأخواته قبل عودته لحرمة لكن وضعه الصحي لم يشجع على تنفيذ رغبته، وكان حريصاً على حضور الاجتماعات العائلية ودعم استمرار اجتماع الأسرة الأسبوعي بعد الجمعة عند من قبله، ثم حمل الراية له في بيته على مدى ١٧ سنة.

وهذه صورة آخر اجتماع جُمعة حضره  رحمه الله في بيته قبل شهر:

ومن مظاهر صلته تسميته لعدد من أبنائه بأسماء بعض أقاربه وتكنيته بنفس كنيتهم.


٧-الصدقة: كلما عرضنا عليه باب صدقة سارع إليه بلا نظر في رصيده من الراتب التقاعدي، وما نجتمع على وليمة إلا وهمه الإرسال منها للعمال.

وقد أوقف بيته ومزرعته في حياته.


٨- الكرم: كان لا يرى رجلاً غريباً في المسجد إلا دعاه إلى بيته، وكان مجلسه مضافة أسبوعية ثابتة يوم الجمعة للضيوف من الأسرة والجيران والأصدقاء خلال ١٧ سنة.

وكذلك اجتماع الأسرة من أنحاء المحافظة وخارجها للمعايدة في مزرعته.


وكان يسعد بضيافة بعض أقاربه وأبنائهم بالأشهر  ذوات العدد خلال الإجازة الصيفية وعلى مدى سنوات عديدة.

ويستقبل الضيوف من داخل البلاد وخارجها، وهذه صورة من استضافته للدكتور عبد الرحمن السميط رحمهما الله:


٩- الورع: كان كثير السؤال عن ما يشتبه عليه في أمور عبادته ومعاملاته ومن أبرز نماذج ورعه تركه لقطعة أرض مجاورة لمزرعته خشية أن لا تكون تابعة لها.

ومن ورعه ورقّة قلبه رحمه الله أنه كان يرفض رفضًا شديدًا إحراق بقايا المزروعات في المزرعة، رغم علمه بفائدتها الكبيرة للتربة، وذلك خشية أن تُحرَق النمل معها. كان يرى أن كل روح وإن كانت صغيرة تُحترم.



١٠- سلامة الصدر: فلا تكاد تجد أو ترى منه إلا حب الخير للناس، وكم من مرة سمعناه يعلن عفوه عن من ظلموه، ويدعم بعضهم ويؤازره رغم استمرار أذاه له.


١١- الهيبة: شخصيته كانت قوية مهابة وهذا ما عايشناه منذ الطفولة رغم أنه كان لا يستخدم وسيلة الضرب.


١٢- رحمته: كان رحمه الله شديد العاطفة رحيماً، ومن مشاهد ذلك أنه كان إذا أُعطي حذاءً أو معطفاً في مدرسة الأيتام في الرياض، حفظه وذهب به لحرمة ليعطيه لأخيه الصغير اليتيم إبراهيم. وكم من المواقف التي رآه فيها الإخوة يدعو وهو يبكي.


١٣- تواضعه: كان رحمه الله شديد الأدب والرحمة والتواضع في تعامله مع من لا يُؤبَه لهم من العمال والضعفاء في المجتمع، فلا يفرّق بين كبيرٍ وصغير، ولا غنيٍ وفقير، بل كان يرى لكل إنسانٍ قدرًا وحقًا. وقد ظهرت هذه الخُلةُ الجليلة في علاقته الوثيقة بهم، وفي صداقاته الكثيرة مع عددٍ منهم، حتى صاروا يعدّونه واحدًا من أهلهم لما رأوا فيه من صدق المعاملة ولين الجانب وحسن الخلق.

وكان لا يمرّ على عاملٍ أو محتاج أو غريب إلا سلّم عليه وبسط له وجهه، سواء كان يعرفه أو لا يعرفه، ولذلك كان إذا دخل مكانًا عمّ فيه السلام، وإذا خرج منه ترك أثرًا طيبًا في نفوس من التقاهم.

وهذه الأخلاق كانت سجيّة استقرّت في قلبه، وفعل ثابت لا يتكلّف له. 


١٤-حديثه: كان حديثه وكلامه جاذباً وماتعاً ومليئاً بالقيم والقصص والتاريخ الاجتماعي. وقبل شهرين طالب الشيخ د. محمد اللعبون بتسجيل أحاديث الوالد وقصصه ونشرها لما تحمله من قيم وقصص ماتعة ثم أرسل تعقيباً قال فيه: "احرصوا على حفظ ذاكرة الوالد"

وقد يسر الله تسجيل بعض سواليفه صوتياً، وكان آخرها قبل وفاته رحمه الله ب16 يوم روى فيها قصة طريفة لأحد أصحابه حين ذهب بأمه للطبيب يعالجها فسأله الطبيب عما تعانيه فأجابه الرجل على سجيّته وبكل بساطة: “تبي لها توضيب كامل!”

وكان رحمه الله يضحك حين روايته لها.


١٥- الهمة والإرادة العالية: كانت همته العالية وإرادته القوية معيناً غدقاً لنا نهلنا منها حتى ارتوينا.


١٦- التربية: كان رحمه الله مدرسة تربوية متميزة تجلت آثارها في أولاده، وكان من أعظم قراراته ذات الهدف التربوي، الاستقالة من الوظيفة في الحرس الوطني بقسم الورش، وكانت ذات راتب مميز في منتصف التسعينات الهجرية وذلك لينعم أولاده بالعيش  في بلدته حَرمة ويتربون في مجتمع القرية وبيئة المزرعة حفظاً لهم ومحافظة عليهم.

وكانت ركيزة تربيته الأولى هي الدين والقيم الشرعية وكان من نماذجها التربية على الجِد وعلو الهمة، فكان عملنا في المزرعة عشر سنين منذ الطفولة وإلى نهاية المرحلة الجامعية مدرسة تربوية عظيمة على الجد والاجتهاد والصبر وحسن التصرف وحل المشكلات والإدارة والقيادة وغيرها من المكاسب الكبيرة التي وجدنا أثرها حتى الآن على مدى ٤٠ سنة.


١٧-التعليم: حرصه على تعليمنا وتوجيهنا بشكل مستمر لم ينقطع منذ نصف قرن وحتى أيامه الأخيرة. 

وطلابه يشهدون له ببذله لجهد كبير في تعليمهم مع الرحمة والشفقة والتعزيز وإقالة العثرات، ويلاحظ أحدهم أنه كان حريصاً على نقل المعرفة للمتدربين مع البشاشة، وحسن التعامل.


١٨- اليقين: ويتجلى ذلك مثلاً في رقيته لنا منذ طفولتنا، وتحكي الوالدة أثر تلك الرقى في عافيتنا، وكذلك تحكي عمتي منيرة رحمها الله ارتياح عمه عبد المحسن رحمه الله لرقيته له، وكان حريصاً على الرقية برقية عمته فاطمة رحمها الله لتكون صدقة جارية لها، فكان يأمرنا بطباعتها وتوزيعها ويحرص على الرقية بها، وكان ليقينه باستجابة الله أثراً في نفع من حوله بها.


١٩- هَمّ المسلمين: كان يتفاعل مع أخبارهم وآلامهم ويحدثنا عنها ويدعو لهم بدعوات صادقة حتى شهره الأخير.


٢٠- كف الأذى عن الناس، وعزلته عن كثرة الخلطة ومجالس الغيبة.

وكان من كلماته: الواحد يخاف الله حتى في عدوه.


هذه لمحات من مشهد ختام حياته، وومضات من سيرته الرائعة، أرجو بها دعوات صادقة له، واقتداءً حسناً به، يكون له أجر جارٍ وذكراً حسناً في الدنيا والآخرة.


ولن يخلو إنسان من نقص وتقصير وخطأ، فكل ابن آدم خطاء، لكن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، ومن رجحت حسناته على سيئاته غفرت له كل سيئاته.


‏قال المقريزي في رسالته (حرص النفوس

 الفاضلة على بقاء الذكر): 

اعلم أن البقاء من أحسن صفات الله تعالى، فاتصاف العبد بما أمكن من البقاء هو أعلى صفاته وأفضلها؛ فالفاضل هو الذى يحرص على بقاء ذكره دائما، قال الله تعالى حكاية عن إمام الحنفاء إبراهيم الخليل عليه السلام أنه قال: "وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ"

‏وهو الثناء والذكر والدعاء الحسن له والمودة في الأمم اللاحقة.

وعن الإمام مالك بن أنس- رحمه الله- أنه قال: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا وأن يرى في عمل الصالحين إذا قصد به وجه الله تعالى.

وقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا"

 أي حبا في قلوب عباده، وثناءً حسناً، فنبه الله تعالى بقوله: "وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ"

على استحباب اكتساب ما يورث الرجل الذكر الجميل إذ الذكر الجميل؛ هو الحياة الدائمة. 

وقال القاضى أبو بكر محمد بن العربى : وقال المحققون من شيوخ الزهد:

وهذا دليل على الترغيب في العمل الصالح الذى يكسبه الثناء الحسن.

وقد منّ الله تعالى على نوح وإبراهيم وموسى وهارون وإلياس عليهم السلام بقوله: "وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِين" تركنا عليه ثناء حسنا في كل أمة.

ومنّ تعالى على رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلّم بقوله: "وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ" وقال: "لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ"

 أى شرفكم.

وقال تعالى ممتناً على سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلّم: "وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ" 

ويروى عن نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام أنه قال:«الذكر الجميل خير من الرائحة الطيبة، والإنسان يوم يموت خير من يوم يولد"

لأن  الصفات الجميلة قد تبلغ أقصى  الآفاق؛ وذلك أنّ الإنسان ما دام حياً يزهد فيه نظراؤه، فإن النفوس كأنها ناظرة إليه، ومن شأن صاحب المروءة أن يزهد فيما ظفر به لأنه في يده قد أمن فواته، وأن يحرص على طلب ما غاب عنه، ويرغب في تحصيله، فإذا مات الإنسان فقد فات، فتلمح الألسنة حينئذ بتكرار أخباره وإثارة فضائله، ونشر مآثره، وإذاعة محاسنه، حتى لقد كان موته سبباً لاشتهار فضائله أكثر من اشتهارها في حياته، فهو يوم وفاته خير من يوم ولادته"


‏اللهم اغفر لأبي وارحمه،. وارفع درجته في عليين، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، آمين آمين آمين.

‏وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


‏أبو سلمان

إبراهيم بن عبد الرحمن التركي

‏حَرمة

الجمعة ٢٣/ ٥/ ١٤٤٧

تعليقات

  1. الحمد لله على قضائه وقدره، ولا نقول إلّا ما يرضي ربّنا ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    رحل عن دنيانا فقيدٌ جليل، رجلٌ عاش عمره ثابتًا على القيم، كريم النفس، عظيم الخُلق، صادق المعاملة، يترك في كل قلبٍ أثرًا وفي كل مجلسٍ دعاءً وفي كل موقفٍ بصمة خير لا تُمحى.

    كان ـ رحمه الله ـ من أولئك الذين لا يعرفهم الناس بكثرة كلام، بل يعرفونهم بجمال الفعل، ورحابة القلب، وصفاء السريرة. عاش بين أهله وجيرانه مثالًا للرجل الوقور، الرحيم، الحليم، الذي يتعامل مع الناس بخلق المسلم المتواضع، ويعطي قبل أن يُسأل، ويصل قبل أن يُطلب منه.

    ولم تكن حياته مجرد سنوات تُعدّ، بل كانت مدرسةً ممتدة من العطاء، والإصلاح، والقيادة الفطرية، والقدوة الحسنة. ولعلّ أعظم ما تركه لنا من أثر، وأجمل ما سيظل شاهدًا على سيرته، هو أنه خلّف ذرية صالحة تحمل قيمه، وتتابع مسيرته، وتنهل من أخلاقه العالية.

    أبناؤه ـ حفظهم الله ـ هم الامتداد الحقيقي لشمائله، ورصيد حياته المباركة؛ نشأوا على يديه بالتربية، والقيادة، والهمة العالية، فكانوا صورة مشرقة من صور بركة الوالد وصلاحه، يشهد لهم القريب والبعيد بحسن السيرة، ورجاحة العقل، والخلق الرفيع.
    وما أعظمها شهادة! فقد قال النبي ﷺ: «إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث… أو ولدٍ صالحٍ يدعو له»، وهؤلاء الأبناء ـ بإذن الله ـ هم ذلك الدعاء الممتد، وذلك العمل الصالح الذي لا ينقطع.

    وإنا إذ نعزّيكم في فقيدكم الغالي، فإن عزاءنا أن الله اصطفاه إلى جواره بعد عمرٍ عامرٍ بالطاعة وذكر الله، وأنه ترك خلفه أبناءً يحملون رسالته، ويتّسمون بالقيادة والرشد، ويحفظون اسمه بالخير والدعاء والعمل.

    نسأل الله أن يرحمه رحمةً واسعة، وأن يجمعكم به في مستقرّ رحمته، وأن يجعل قبره نورًا، ويعلي درجته في عليّين، ويجعل ما خلّف من ذريةٍ مباركة شاهدًا له لا عليه.

    عظّم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، وجبر مصابكم، وجعل البركة في أبنائه ونسله من بعده.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

🌙 الذكاء الاجتماعي في العيد: فن صناعة البهجة

عبدالرحمن بن إبراهيم التركي ومشهد ذو مشاهد!/ أحمد العساف