‏وكان أبوهما صالحا/ د. فهد الموسى

 ‏﴿وَكانَ أَبوهُما صالِحًا﴾

عبدالرحمنِ بنُ إبراهيمَ، وإبراهيمُ بنُ إبراهيمَ، أخوانِ شقيقانِ كريمانِ.  

‏أبوهما: الشيخُ إبراهيمُ بنُ عبدالرحمنِ التركيِّ، وأمهما الجوهرة بنت محمد بن أحمد التركي.

‏نشأ الأخوانِ عبدُالرحمنِ وإبراهيمُ في بيتِ علمٍ ودينٍ، وترعرعا في كنفِ أبوينِ صالحينِ، وفي بيئةٍ صالحةٍ في عمومِها، ومصلحةٍ لأفرادِ جنسِها، قائمةٍ بما يجبُ من الأمرِ بالمعروفِ، والنهيِ عن المنكرِ بالمعروفِ، في بلدةٍ طيبةٍ، وتربةٍ نقيةٍ، إذا نزلَ عليها الماءُ اهتزتْ وربتْ، وأنبتتْ من كلِّ زوجٍ بهيجٍ. بلدةٌ طيبةٌ، وربٌّ غفورٌ.

‏تخيَّلْ أنها بلدةُ حرمةَ، إحدى قرى نجدٍ في الستيناتِ الهجريةِ، كيف كانتْ في زمنٍ لم تُدركْهُ رياحُ التغييرِ، وموجاتُ العولمةِ، وثورةُ الاتصالِ، والانفتاحِ العابرِ للحدودِ، ومستجداتُ التقنيةِ، والذكاءِ الاصطناعيِّ

‏وحتى يتصورَ القارئُ الكريمُ جيلَ هذينِ الأخوينِ، جيلَ الستيناتِ الهجريةِ، أدعوهُ إلى زيارةِ حَرمةَ التراثيةِ، ويتجوَّلَ في أسواقِها، وبينَ بيوتاتِها، ومساجدِها، وحيطانِ نخيلِها، ليستنطقَ محاريبَ مساجدِها، ويرعيَ سمعَهُ إلى همسِ سواريِها، وأروقتِها، ودلاءَ ركيةٍ من ركاياها، وطريقًا من طرقاتِها، ومجامعَ أسواقِها، ودكاكينِها، حتى يَسمعَ من أحوالِ أهلِها عجبًا لا ينقضي، وعبرًا لا تنتهي، وقصصًا تحكي بقيةً من سيرِ السلفِ الصالحِ في سمتِهم، وأخلاقِهم

‏فلو رأيتَ الشيخَ عثمانَ بنَ سليمانَ -رحمهُ اللهُ-، وهو يحدثُ الناسَ في جامعِ العقدةِ، لظننتَهُ الإمامَ ابنَ الجوزيِّ في مجلسِ وعظِهِ ... ولازلت أتذكر والدتي حصة العبدالله البديوي وهي تردد علينا شيئاً من محفوظها من منظومات الشيخ عثمان الوعظية ومنها قوله:

‏يا صاح ما هذا العمى الحب للدنيا لما

‏الجوع فيها والظما والهم والشغل الطويل

‏دار تزينت للأنام حتى إذا راموا الدوام

‏أصابهم كأس الحمام فليس للدنيا خليل

‏تترك معافاها أليم وكل ذي صحه سقيم

‏فمن ترى فيها سليم فهو غدا فيها عليل

‏وعبرات أمي تسبق عباراتها

‏ولو رأيتَ الشيخَ إبراهيمَ بنَ عبدالرحمنِ التركيِّ -رحمهُ اللهُ-، خارجًا من ققحَ في أبهى حلّتِهِ، لابسًا البياضَ، ومعتِّمًا به، قد مسَّ شيئًا من طيبِ امرأتِهِ، قاصدًا مجلسَ الشيخِ في العقدةِ، لظننتهُ عبداللهَ بنَ وهبٍ، أو عبدالرحمنَ بنَ القاسمِ، أشهرَ تلاميذِ الإمامِ مالكٍ، متوجهًا لدرسِهِ

‏وهكذا الحالُ، ستجدْ في كلِّ فنٍّ شبيهًا لمنِ اشتهرَ في فنِّهِ، فقد خرجَ من فواخرِ حرمةَ مؤرخُهم ليحاكيَ سيرةَ الإمامِ الذهبيِّ، ومثلُهُ ابنُ لعبونَ يذكِّرُكَ بالطبريِّ

‏كما أنَّ لهذه البلدةِ فضلًا على من قدِمَ إليها واستقرَّ، وله علينا فضلٌ لا يُنكرُ، فقد أدركتُ شيخَنا الشيخَ سليمانَ المليفيِّ أبو داودَ -رحمهُ اللهُ-، أدركتُهُ خطيبًا على منبرِ جامعِ العقدةِ، قبلَ النزوحِ عن البلدةِ، وهجرِ الجامعِ، وتهالكِهِ، ثم أستاذًا للفقهِ، يذكِّرُكَ بالفقيهِ عطاءَ بنِ أبي رباحَ، تخرجَ تحتَ يدِهِ أجيالٌ من طلابِ المعهدِ العلميِّ في المَجمعةِ

‏وفي أهلِ هذه البلدةِ من جَمعَ بين العلمِ والتجارةِ، وكأنكَ ترى الإمامَ عبداللهَ بنَ المباركِ

‏وأما الإمارةُ، فقد كانتْ دولةً بين أهلِها من بني وائلَ، تُحاكي عصرَ بني أميَّةَ أو بني العباسِ، وفيهم من خصَّهُ اللهُ بالتجارةِ، فضربوا أروعَ الأمثلةِ في الوصفِ النبويِّ: "نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجلِ الصالحِ"، كما هو حالُ أهلِ جريرَ، وفارسُهم في ميدانِ البذلِ والعطاءِ: عبداللهُ بنُ عبدالرحمنِ العقيلِ - رحمهُ اللهُ- .  

‏ومنهم من جَمعَ اللهُ له بين علومِ اللغةِ والأدبِ والتجارةِ، كما هو حالُ الشيخِ عبداللهِ بنِ إدريس، وذريتِهِ البررةِ، وأبناءِ عمومتِهِ، أصحابِ المحطاتِ، أهلِ السخاءِ والوفاءِ...

‏وإذا كانَ قد اشتهرَ في الطبِّ ابنُ سينا، فقد أنجبتْ حرمةُ بيتَ الفقهاءِ ورموزَهُ من أشهرِ الأطباءِ في القلبِ والجراحةِ وأسبابِ الشفاءِ.

‏ولا تزالُ هذه البلدةُ الطيبةُ مرجعًا وموئلًّا لعددٍ من الأسرِ الكريمةِ التي تركتْ أثرًا في الداخلِ والخارجِ، وما أجملَ ما تحفظُهُ الوثائقُ والمخطوطاتُ من الأسماءِ والمسمياتِ، وأصولِ الملكيةِ لعددٍ من البيوتِ والحيطانِ والقلبانِ، والتي لا تزالُ تحملُ أسماءَ أصحابِها محفورةً في ذاكرةِ التأريخِ، لم يمحُها تقادمُ الزمنِ.

‏فعلى سبيلِ المثالِ لا الحصرِ، حينَ تذكرُ السميطيةَ، فهي نسبةٌ إلى أسرةِ السميطِ، التي يمثلُها علمٌ من أعلامِ العملِ الخيريِّ الكويتيِّ: الدكتورُ عبدالرحمنُ السميطِ -رحمهُ اللهُ-.

‏وفي القلبانِ: قليبُ الخرافيِّ، وما أدراكَ ما الخرافيُّ في الكويت !

وهكذا هي بلدةُ حرمةَ، منجمُ أسرٍ ورجالٍ على مرِّ الزمانِ، ولابدَّ لنا من عودةٍ على ذي بدءٍ: أسرةُ التركيِّ، البدارينُ، بدورٍ في سماءِ العلمِ والفضلِ، يتقدمُهم معالي الشيخُ الدكتورُ عبداللهُ بنُ عبدالمحسنِ التركيِّ، عرفتهُ وأنا طفلٌ على شاشةِ التلفازِ، أولَ ما افتتحَ بثُّهُ في المجمعةِ، فرسختْ صورةُ معاليهِ في الذاكرةِ، فسبحانَ من ثبَّتهُ على صورتِهِ وسمتِهِ، وسبحانَ من وفقَهُ واصطفاهُ ليكونَ محلَّ ثقةِ الولاةِ على تعاقبِهم، وليسَ من المبالغةِ ولا من التزلفِ أن نستدعيَ عباراتٍ مأثورةً في وصفِ رجالٍ صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه، فأنقذَ اللهُ بهم الأمةَ، أمثالَ أبي بكرٍ الصديقِ في حادثةِ الردةِ، والإمامِ أحمدَ بنِ حنبلَ في الفتنةِ ...

‏وفي زمنِنا هذا، أنقذَ اللهُ بلادَ الحرمينِ في عهدِ الملكِ فيصلَ بالشيخِ محمدِ بنِ إبراهيمَ وأعوانِهِ من العلماءِ، وفي عهدِ الملكِ خالدٍ في إخمادِ فتنةِ الحرمِ، علماء  تشبَّهوا بابنِ إبراهيمَ، وورثوا علمَهُ، وتتلمذوا في مدرستِهِ، وفي عهدِ الملكِ فهدٍ وفتنةِ صدامَ وغزوهِ، أنقذَ اللهُ البلادَ والعبادَ بالشيخِ ابنِ بازٍ وهيئتِهِ. 

‏وفي حشدِ الكياناتِ الإسلاميةِ في الخارجِ وكسبِ تأييدِها، عرفَ الملكُ فهدُ -رحمهُ اللهُ- من يختارُ لهذه المهمةِ، رغمَ العواصفِ الإعلاميةِ في الخارجِ والداخلِ، حينَ قيَّضَ اللهُ رجلًا من رجالاتِ الملكِ فهدَ وذخيرتِهِ لمثلِ هذا الموقفِ العصيبِ، فانبرى له المحنكُ المسددُ أبو فهدَ: معالي الدكتورُ عبداللهِ التركيِّ، ولا زالَ حتى هذه اللحظةِ، وفي هذا العهدِ الزاهرِ، ومع قائدِ الرؤيةِ، لا زالَ هو هو: محلَّ الثقةِ، والرأيِ، والمشورةِ، والاستشارةِ -متَّعهُ اللهُ بموفورِ الصحةِ والعافيةِ، وأمدَّهُ بعونِهِ وتوفيقِهِ وتسديدِهِ، وأنسَأَ له في أثرِهِ - ...

‏وحينَ نعودُ لما كنا في هذا المقالِ بصددهِ، فقد رأينا معاليَه في مقدمةِ المصلينَ والمشيعينَ لجنازةِ الشيخِ عبدالرحمنِ بنِ إبراهيمَ التركيِّ، وإذا كانَ قد فاتني حضورُ الموقفِ وشرفُ المشاهدةِ، وأن أكونَ أحدَ الشهودِ لتلك الحشودِ، فقد آليتُ على نفسي أن أكتبَ هذا المقالَ مقدمةً لما كتبَهُ أستاذي وشيخي الشيخُ إبراهيمُ بنُ إبراهيمَ التركيُّ، شقيقُ الفقيدِ ورفيقُ دربِهِ، وما كانَ لمثلي، ولن يجرؤَ أن يكتبَ كما كتبَ أسامةُ في رثاءِ عمِّهِ، وأبلغُ من ذلك ما كتبَهُ أبا أسامةَ في رثاءِ أخيهِ، ولعمرِ اللهِ لقد كانتْ دواةُ أقلامِهم دموعَهم، حتى إذا جفَّتْ أو أوشكتْ سقوها من دماءِ قلوبِهم حزنًا وألمًا، وحسبي أن يكونَ خاتمةَ مقالي إحالةً على ما كتبوا، وهل نائحةٌ ثكلى كمستأجرةٍ .

‏وكتبَهُ / الدكتورُ فهدُ بنُ عبدالرحمنِ الموسى


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المشهد الأخير للفقيد/ بقلم أبو سلمان إبراهيم بن عبد الرحمن التركي

🌙 الذكاء الاجتماعي في العيد: فن صناعة البهجة

عبدالرحمن بن إبراهيم التركي ومشهد ذو مشاهد!/ أحمد العساف