رجل بألف رجل/ الشيخ أبو أسامة إبراهيم التركي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على قضائه وقدره، نحمده في السرّاء والضرّاء، ولا نقول إلا ما يرضي ربّنا، إنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم آجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيرًا منها.
بقلوبٍ يعتصرها الألم، ونفوسٍ مؤمنةٍ برحمة الله وفضله، أودّعُ أخي الحبيب ورفيق عمري عبدالرحمن بن إبراهيم بن عبدالرحمن التركي – أبا إبراهيم – الذي كان لي بعد والدي أبًا، وفي حياتي عضدًا وسندًا، وفي مسيرتي نورًا وضياءً.
لقد عرفتُ أخي عبدالرحمن –رحمه الله– منذ نعومة أظفاري مثالًا للأخ الكبير الحنون، والركن الثابت الذي لم يتغيّر حبّه ولا عطاؤه مهما تغيّرت الأيام.
تحمّل المسؤولية صغيرًا قبل أن يشتد عوده، فقام مقام الوالد في بيتٍ علمٍ ودين، يواسي ويعطف ويُعطي، لا ينتظر طلبًا ولا يملّ عطاءً، ويكرم كل قريبٍ وزائر، ويذكر الجميل لأهله كثيرًا، حريصًا على برّ أبيه وصلة رحمه.
نشأ –رحمه الله– يتيمًا، غير أن الله عوّض يتمه قلبًا رحيمًا يفيض حنانًا، وعزيمةً صلبةً لا تلين، فكان رجلًا بألف رجل، شديد الحياء، رقيق الجانب، جمّ الأدب، حسن السمت، وقورًا في هيئته، عاقلًا في رأيه، لينًا في نصحه، محبًّا للخير، سبّاقًا للإصلاح.
كان نقيّ السريرة، صادق النية، يفرح لفرح الناس ويغتمّ لحزنهم، دائم السؤال عن الأرحام والجيران وأبناء العمومة، يحمل همّ جماعتِه وقومِه في قلبه، ويسعى لوصلهم بالودّ والبرّ والدعاء.
وفي بيته، كان القدوة والمربّي؛ ربّى أبناءه على الدين والخلق، فأنبتهم الله نباتًا حسنًا، فخرج منهم المشايخ والأساتذة والمهندسون والمحامون، وكلّهم يحملون من سيرته قبسًا من النور والوفاء.
كان –رحمه الله– يجمع بين الهيبة والتواضع، وبين الوقار والبِشر، فترى في وجهه سكينة المؤمن وسمت العالم.
زاهدًا في مخالطة الناس إلا بالخير، عفيف اللسان، بعيدًا عن اللغو والخصومات، لا يحب الظهور ولا الرياء، بل يعيش في صمتٍ نبيلٍ يسطر بأفعاله ما يعجز اللسان عن وصفه.
حريصًا على أداء الحقوق في وقتها، مؤديًا صلاته في حينها، ملازمًا لورده من القرآن الكريم، سبّاقًا إلى الصدقة والعطف على المساكين، محبًا للأذان في المسجد والدعاء لولاة الأمر، متفقدًا لأحفاده محبةً وسؤالًا وتوجيهًا. وكل من عرفه أو خالطه في عملٍ أو مزرعةٍ أحبّه بصدقٍ وإخلاص.
اللهم اجعل ما أصابه تكفيرًا وطهورًا ورفعةً في درجاته، واجعل ما نزل به حسنَ خاتمةٍ له، وألحقه بالمبطونين الذين لهم أجر الشهداء.
اللهم اغفر له، وارحمه، وعافِه واعفُ عنه، وأكرم نُزله، ووسّع مُدخله، ونوّر قبره، واجعل الجنة داره وقراره.
اللهم اجزه عن والديه وإخوانه وأهله وأولاده خير الجزاء، واجعل برَّه وإحسانه وخلقه في ميزان حسناته، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، واربط على قلوب أحبّته بالصبر والاحتساب، وألحقه بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، واجعل ما خلّفه من ولدٍ صالحٍ وذكرٍ طيبٍ عملًا جاريًا لا ينقطع أجره إلى يوم الدين.
لقد رحل الجسد، وبقي عبير سيرته يفوح في القلوب، وأثره خالدٌ في كل من عرفه، وسيرته صفحةٌ مضيئة في سجلّ آل تركي الكرام.
رحمك الله يا أبا إبراهيم، رمز الوفاء والعطاء، وجعل مثواك الفردوس الأعلى، وجمعنا بك في دار لا فراق بعدها، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
إبراهيم بن إبراهيم التركي
أبو أسامة
المدينة المنورة
السبت ١٧ جمادى الأولى ١٤٤٧هـ

تعليقات
إرسال تعليق